حسن الأمين

175

مستدركات أعيان الشيعة

وأمر آخر أهم الساسة الإنكليز هو تبينهم ضعف عسكرهم المقيم في إيران ، بعد انهزامهم من وجه البلاشفة في الشمال على ذلك النحو المعيب . فقد ظل الجيش الانكليزي في إيران ليدفع عنها غزوا بلشفيا محتملا . ولكن جنوده فروا سريعا بمجرد نزول الجنود الحمر في مرفا « أنزلي » ، فاخلوا هذا المرفا وأخلوا بعده رشت وسلموهما إلى البلاشفة . ولذلك يمكن أن لا يثبت هذا الجيش في وجه البلاشفة إذا اتحدوا . المقابلة التاريخية وقد قضت هذه الانكسارات على معنويات الجنود الإنكليز وأفقدتهم الثقة بأنفسهم . ولذلك استدعت الحكومة الإنكليزية في 1 تشرين الأول سنة 1920 م قائد جيشها المقيم في إيران وأرسلت إليها بدلا منه الجنرال « السير إدموند آيرن سايد » . وكانت مهمته إنعاش معنويات الجنود الإنكليز ، ووقف تقدم البلاشفة من جيلان إلى الجنوب ، وانتزاع قيادة القوزاق من يد الروس وإنشاء قوة عسكرية محلية موحدة تسند قيادتها إلى الإنكليز وتكون دعامة حكومة إيرانية قوية موالية لهم تبسط سيطرتها على جميع نواحي البلاد وتقف سدا في وجه المد البلشفي . وبعد الاطمئنان إلى تمكن هذه التدابير تجلو العساكر البريطانية عن إيران . وكان عدد الجيش الانكليزي المقيم في إيران ستة آلاف جندي منتشرين فرقا في الشمال . وقبل استقالة وزارة « مشير الدولة » ببضعة أيام ذهب « الجنرال آيرن سايد » في الثاني من تشرين الثاني سنة 1920 م إلى « آق بابا » حيث يعسكر القوزاق ، وأحاط معسكرهم بقسم من جنوده مسلحين بالرشاشات . فعل ذلك لا بقصد المحاربة بل من باب الاحتياط خوفا من وقوع حوادث ليست في الحسبان . ثم دخل المعسكر ومعه « الكولونيل كاظم خان » أحد ضباط الدرك . وطلب مقابلة كبار ضباط القوزاق لمباحثتهم في أمور مهمة . فلما حضروا عرض عليهم على شكل اقتراح في الظاهر ما كان أمرا مقررا في الواقع . وكان « كاظم خان » يترجم كلامه إلى الفارسية . قال : جئت أبلغكم أننا ننوي مساعدتكم بعزل الضباط الروس المستخدمين عند الدولة وإحلال ضباط إنكليز في محلهم يقومون بإنشاء تشكيلات عسكرية منظمة ، وتوفير كل وسائل الراحة والقوة اللازمة لكم . ومن أجل ذلك لا بد من نزع سلاح القوزاق الإيراني مؤقتا ريثما يصل المدربون الإنكليز ويتسلموا مهمتهم ويعاد تشكيل القوزاق على نحو جديد . فسكت الضباط القوزاقيون ولم يجيبوا بشيء إلا أن العقيد « رضا خان » قطع هذا السكوت وأجاب بجرأة متناهية ونبرة جهورية قائلا : نحن قوزاق صاحب الجلالة الشاهانية وخدام دولة إيران . وفي كل الأمور لا نطيع غير الأوامر التي تصدر إلينا من الحكومة المركزية . ولذلك لا نستطيع الرد على اقتراحكم بالإيجاب . فان يكن عندكم اقتراح أو مطلب فاعرضوه على الحكومة المركزية فان وافقت عليه أمرتنا به فأطعناه . أما الآن فلا نستطيع قبول شيء من أوامركم وهي تعرض علينا بهذه الكيفية . وعندئذ اتخذ الجنرال « آيرن سايد » مظهرا وديا بشوشا ، وأجاب باللغة الفارسية - وكان ملما بها - وهو يبتسم متوددا : المعذرة ! فان المترجم لم يحسن إفهامكم مرادي . فانا لم أكن أقصد ما أفاده كلامه . وكل مرادي هو أن نتعاون ، يدا بيد ، لانقاذ وطنكم من الفتن . ثم ودعهم متوددا إليهم مصافحهم واحدا واحدا ، وانصرف بلا نتيجة . ولكنه أعجب بجرأة « رضا خان » وثبات جاشه وقرر أن يستفيد منه في تحقيق خطته . وكانت هذه المقابلة مبدأ انطلاق « رضا خان » فيما بعد إلى عرش إيران ! وبعد بضعة أيام من هذه الواقعة أرسلت السفارة الإنكليزية إلى حكومة « مشير الدولة » هذه المقترحات التي عرضها « آيرن سايد » على الضباط القوزاق في معسكرهم بقرية « آق بابا » . أرسلتها على شكل اقتراح أو مذكرة وطلبت المبادرة فورا إلى عزل الضباط الروس عن قيادة القوزاق . فرفضها « مشير الدولة » . وكان رفضه لها السبب في مضايقة الإنكليز له حتى اضطروه إلى الاستقالة . ثم أرسلتها السفارة بصورة مذكرة إلى وزارة « السبهدار » كما تقدم . وكان القوزاق على وضع مادي ونفسي سئ جدا . فقد انقطعت عنهم رواتبهم حين قطع الإنكليز مساعدتهم المالية عن إيران في أواخر عهد « مشير الدولة » وكانت رواتب القوزاق تعطي من هذه المساعدة ، وكذلك أسقطت هزيمتهم في الشمال معنوياتهم . وكان « آيرن سايد » يسعى إلى كسبهم بوعدهم بتلافي هذه النقائص ، ومن ثم تكرر اجتماعه بالرؤساء العسكريين الإيرانيين في معسكر القوزاق في « آق بابا » . « رضا خان » قائد الانقلاب بدأ تحضير الإنكليز للانقلاب في إيران من أواخر عهد وزارة « مشير الدولة » . وكانت قزوين مركز نشاطهم الأول . ففيها المقر الأصلي لجيشهم . وقد بلغت سيطرتهم عليها إلى أن سموا شوارعها وأزقتها بأسماء إنكليزية . وبعد أن قلب المخططون ، من انكليز وإيرانيين ، النظر كثيرا في اختيار الأداة العسكرية للانقلاب استقر رأيهم على ترشيح كتيبة القوزاق لهذه المهمة واختيار رئيس فوج همدان القوزاق « رضا خان » لقيادتها . وكان هذا يقيم مع فوجه في نواحي قزوين . وفيها أيضا عمدة الكتيبة القوزاقية من ضباط وجنود . ولذلك كان مدبر والانقلاب ، ومنهم السيد « ضياء الدين الطباطبائي » يترددون إلى قزوين لتهيئة وسائل الانقلاب ثم كانت هذه المدينة نقطة انطلاقه . واستمر التحضير مدة وزارة « السبهدار » . وكان المدبر الأول له الجنرال « آيرن سايد » . وفي هذه المدة أصبح هذا قائد القوزاق الأعلى بصورة مؤقتة [ ريما ] ربما تحضر من إنكلترا هياة دائمة لقيادتهم . وكان يعاونه ضابط إنكليزي اسمه « الكولونيل اسمايس » . وأصبحت كل شؤون القوزاق المهمة في يد الإنكليز . واجتمع « آيرن سايد » أكثر من مرة بالضابط القوزاقي « رضا خان » وصادقه واستماله إليه . وكان شديد الاعجاب به ، ومثله « الكولونيل إسمايس » . وأبعد هذان « السردار همايون » رئيس الكتيبة القوزاقية عن قزوين ، وفوضا أمور هذه الكتيبة إلى « رضا خان » . وذكر « آيرن سايد » في مذكراته أن آخر اجتماع حصل بينه وبين « رضا خان » كان في يوم 12 شباط سنة 1921 م الموافق 23 دي سنة 1299 ه‍ . ش . ( أي قبل يومين من استقالة وزارة « السبهدار » ) في ( گراند أوتيل ) في قزوين . وذكر أنه لم ير أحدا من ضباط إيران له صراحة رضا خان واستقامته وأنه أبلغه أنه ينوي إطلاق يده في العمل بلا سيطرة منه عليه . وأنه أخذ عليه تعهدا بان لا يستعمل ما بضعة الإنكليز في تصرفه من